2008-02-15 00:51:47

جريدة البيان

بورتريه

عبدالرزاق يوسف: حلم الطبيب جعلني أقود جلفار

 

العمل والعنفوان كل ما تستشفه في هذا الرجل الآتي من مسافات لا تحدها الفصول أو الأزمنة. قد تكون التقلبات لعبت دورها الفاصل في حياته، ولكن بدرايته بأمور الحياة وتقلباتها استطاع ان يجوهر العادي صانعاً من الفرادة سبائك تشع بنور ذاتها.. الحلم كل ما يخشاه لأنه قريب منه منذ الطفولة. هذه الطفولة أصابها شعاع اللحظة.. تبقى ذاكرة الأب تحتل الحصة الأكبر من كيانه حتى تخاله ساجداً في هيكل الأسرة.. انه الأخ الأكبر أو الأب أو الأم في آن.. متضادات اجتمعت فيما بينها لتشكل فرادة بحد ذاتها. تتكلم معه تحاوره محاولا ضبط المتباعد. انه حلم تشكل في مداراته ليصير أكثر واقعية. عبدالرزاق يوسف الرئيس التنفيذي لشركة الخليج لصناعة الأدوية «جلفار».. حاورته وكأنني في حضرة المستتر المنفتح على كل الاحتمالات.


 

المولد... ولدت في بيت فقير ومن أسرة تشابه نظيراتها في ذلك الزمن حيث لا طفرة اقتصادية ولا نهضة عمرانية الناس تعيش على قوت يومها.. والفقر يتربص بالكل.. توفي والدي وأنا في سن الخامسة.. الوفاة حادث أليم.. وجدنا أباً آخر يكبر بسرعة ويتفرغ للعائلة انه أخي عبدالله ابن الثامنة عشرة الذي أصبح ابن الأربعين ـ الخمسين قل كما تشاء ولكن سار المركب ووصلنا لشاطئ الأمان.

 

الدراسة... قبل قيام الاتحاد كانت إماراتنا متناثرة تفتقد الاقتصاد والمال الذي يتأتى من المشاريع عادة، وكل شيء بدائي. تعلمت في مدرسة «الصباحية» على حساب الدولة الكويتية وأنا بالمناسبة أحمل لهذه الدولة ولأسرتها الحاكمة الود والجميل، واذكر في ذلك الوقت ان الثانوية العامة كانت 4 سنوات فالحمد لله كنت من المجتهدين رغم عملي في المساء بشركة المقاولات التي أسسها أخي «الشركة المتحدة للمشاريع العقارية» وكنت أعمل فيها أي شيء.. إلى ان تخرجت.. في الثانوية فقرر أخي إرسالي إلى مصر لدراسة الهندسة وذهبت إلى هناك وكان النظام المعمول به في مصر على كل طالب عربي الاستعانة بمعيدين «أي بمثابة مدرسين خصوصيين»، انتهت السنة الأولى ونجحت في جميع المواد وبتفوق، في السنة الثانية قررت ألا أستعين بهؤلاء المعيدين، كوني طالباً مجتهداً، ولكن للأسف تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد رسبت في معظم المواد، فقررت وأخي عدم الرجوع إلى مصر بعد خسارة سنتين من عمري.

 

أميركا تشبه الحمرانية ... سافرت إلى أميركا مبتعثاً، وذهبت إلى «كانساس» جامعة لورنس لدراسة اللغة، وكان ذلك في بداية دخول فصل الشتاء، لم أستطع التأقلم مع هذا الجو وأنا الآتي من الصحراء، بعثت لأخي آنذاك رسالة أقول له فيها: «أخي العزيز لم أشاهد ذلك الحلم، لا تكنولوجيا ولا غيره، أميركا يا أخي تشبه الحمرانية «والحمرانية منطقة في رأس الخيمة»، بعدها ذهبت إلى ميامي في فلوريدا وبدأت الدراسة وأصبحت أضيف إلى سنتي الدراسية ساعات إضافية، والنظام الدراسي هناك أنه يجب أن يكون معدلك مرتفعاً لتضيف ساعات إضافية، أنهيت الدراسة في 3 سنوات ونصف السنة «هندسة عمارة، وكذلك الهندسة المدنية. وأخذت الماستر، وأيقن القائمون على الجامعة ذكاء هذا العربي المتحمس للانطلاق والتوثب نحو النجاح. رغم الامكانيات المادية الأقل من المتوسط، حيث 800 دولار لم تكن كافية للجامعة أو البيت أو الأكل.. ولكن على قدر أهل العزم تأتي العزائم.

 

رحلة العمل

 

طوال دراستي في أميركا لم آت إلى بلدي وعندما أنهيت الدراسة قررت العودة في إجازة أسبوعاً، وبعدها أذهب للدراسة، لكن مشيئة أخي كانت فوق رغبتي، منعني من السفر وأرادني أن أعمل في الشركة، عملت معه سنتين ونصف السنة، وحققت النجاحات التي ما زلت أفتخر بها كلما نظرت إليها ومنها «مستشفى أم القيوين العام» وبنك دبي التجاري ورأس الخيمة، وطلبني وزير الصناعة سابقاً معالي أحمد الطاير للعمل مديراً للمشاريع، تعلمت الفكر البنكي وأبدعت في عملي وبعدها أسست وأخي عبدالله مكتبا هندسيا، حيث وضع أخي حجر أساسه سنة 1976.

 

وفي 1983 عملت في المكتب الذي ما زال موجوداً واسمه «المجموعة الاستشارية الهندسية»، وجاء قرار انتقالي للمكتب رغبة في ترك أخي يدير أعماله بنفسه، ولكي لا يتحسس من طموحي الذي أدين له بالفضل فيه. وكانت نجاحاتي تدفعني قدماً إلى الأمام وتفتح أمامي أبواباً عادة ما تكون موصدة إلا أمام الخبرات التي تحمل مفاتيح الأمور.

 

حنيني طبيباً جعلني أقود جلفار

 

سنة 1987 جاءتني دعوة من سمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي الذي يعتبر سيدي وأخي وصديقي وأعتز بنصحه، خاصة أنه كان زميل دراستي، وبعد الثانوي ذهب للدراسة في بيروت، ولكن مع حصول الحرب الأهلية ذهب إلى أميركا، فكان سموه في ميتشجان وأنا في ميامي، جاءت دعوته لتضعني على المحك أمام تحد أخاف خوض غماره، فأنا لا أحب الفشل وما ذهبت لتسلمه كان متهاوياً، كلمت آنذاك أحمد الطاير وشبيب خان صاحب وأخبراني أنني بعكس العالم بقراري هذا، أي كمن يهاجر من المدينة إلى الريف مع العلم العكس صحيح، لكنني وافقت على طلب الشيخ سعود لإدارة الشركة التي بدأ يصيبها الشلل.

 

حيث وصلت إلى مرحلة النهاية سنة 1987 عندما لم يتم دفع رواتب الموظفين لمدة عامين، نتيجة عدم المبيعات، حيث قارب السعر الإجمالي لها في هذا العام 50 مليوناً بعد أن كان رأسمالها 180 مليون درهم.

 

أراد سموه تسليمي الشركة فطلبت منه أن أكون مديراً مالياً وإدارياً لأستطيع ضبط المصاريف والتعامل مع الموظفين. وبعد مرور عام من العمل باعت جلفار بـ 80 مليوناً، كان الربح 4 ملايين على عكس السنة المنصرمة باعت جلفار 32 مليوناً خسارتها كانت 30 مليوناً، وأذكر أنني خلال تلك الفترة أي بعد مرور عام لم يتم صرف راتب واحد لي،وأذكر أنني وقعت شيكاً واحداً بقيمة 1300 درهم، وهو قيمة تذكرة سفر لمدير في المصنع سافر إلى السعودية ووصل الحال إلى أن الشيك لم يصرف لعدم وجود رصيد له.

 

توجهت للشيخ سعود وأعطاني 300 ألف درهم آنذاك لتكون نواة التأسيس أذكر يومها أن حسابنا في جلفار في بنك المشرق الذي رفض ان يقدم لنا ضمانا بنكيا واحتفظنا له بالديون، والبنك الثاني البنك العربي حيث توجهت إلى الأردن وقابلت عبدالمجيد شومان رئيس البنك وطلبت منه ضماناً بنكياً علماً أن رصيدنا صفر.

 

قابلته وقدمت له اقتراحاً كان يمكن أن يرفضه، وهو 75% من قيمة الضمان البنكي و25% تسديد ديون وليس عندي أي ضمان.. سوى كلمتي.

 

غرق جلفار

 

فبراير 1989 أصبحت نائب المدير العام وفي تلك السنة جاءت أمطار غزيرة.. المصنع في ذلك الوقت تم تصميمه من قبل شركة هوكست الألمانية، ولاحظت كمهندس أن المصنع بدائي ولا يصلح، وما فضح هذا العيب الأمطار التي أغرقت مصنع جلفار حتى أصبح «كتايتانيك» خفت كثيراً خاصة أنني كنت جلبت عقوداً وعروضاً لعقود بالملايين ولا أريد أن ينتشر الخبر فكان التالي..

 

اجتمعت بالعاملين وجلهم آنذاك مهندسون وعمال من فلسطين وأثرت حميتهم وبدأنا بنصب الخيم ونقل المعدات، جميعنا نعمل وأعدنا المصنع إلى أحسن حال. وكان التحدي الأكبر هو بالآلات ولكننا لم نستعن بأي شركة بل اعتمدنا على جهود مهندسينا من نقل وتنظيف وإعادة تركيب وعملنا كل شيء وبدأت الانطلاقة وفي هذا العام ارتفعت المبيعات من 80 ـ 130 مليونا.

 

وكان اتفاقي مع الإدارة على أن نقتطع 25% من الأرباح كضريبة لإصلاح المصنع وعمل التحسينات والتوسعات فأصبحنا نبني جلفار 2، و 5 و 7 و 9.. سنة 2005 دفعنا كل رأس مال المساهمين من أرباح الشركة وأصبحت قيمة الشركة النقدية ملياراً والسوقية 12 ملياراً وأكثر وبدأنا ننتشر في أنحاء العالم حيث نقدم للعالم من 60 ـ 70 مستحضراً مسجلاً ولكننا نعاني من القوانين الأوروبية والأميركية ومازلنا ننتقل من نجاح إلى آخر. وستشهد الأعوام القادمة توسعا وسيصبح لدينا 8 مصانع جديدة ومدينة طبية متكاملة وأتمنى أن أوصل مبيعات جلفار إلى 5 .2 مليار دولار لأصنع رقماً يكون شاهداً على جهودي وكذلك أن ابني 14 مصنعاً وأتركهم وعندهم على الأقل 400 مليون دولار أرباحاً سنوية.

 

سرقني العمل من نفسي

 

أنا مدمن عمل والدتي رحمها الله قالت لي أسكن بجانب المصنع فقلت لها لو كان والدي حياً ويملك ملياراً واعطاني 100 مليون هل كان يتركني أن أتصرف دون أن يتدخل فقالت لا فقلت لها جلفار أعطتني 500 مليون دون أن يسألوا ألا أكون أمينا؟

 

أذكر أنني عندما تزوجت لم يعطني أخي إجازة ونزلت للعمل ثاني يوم زواج.. هذه حياتي أسرتي جزء منها يجب أن يتكيفوا مع هذا الوضع لأنه بالمقابل أقدم لهم كل ما يطمحون من حياة رغيدة، أستشير زوجتي ولكن أؤمن أن المركب بربانين يغرق.

 

الأولاد

 

أولادي أربعة لا أحاول التدخل في مستقبلهم خاصة بعد أن كنت سبباً في فشل يوسف دراسياً حيث أحب البحر وأراد أن يصبح قبطاناً فقلت له متهكماً ومن أين سأشتري لك سفينة فجعلته يسجل في كلية «اتصالات».

 

ففوجئت بأنه غير ملتزم ويحمل مواد قال لي لا أريد الدراسة ذهب إلى أدنوك في أبوظبي للعمل في التنقيب في البحر، أبنائي الآخرون تركتهم يختارون ما يناسب أهواءهم وأتمنى لهم النجاح فيجب أن يعتمدوا على أنفسهم فأنا بالنهاية موظف ولست بتاجر.. وعلى سبيل الذكر عندي بناية لم تنته منذ أربع سنوات لعدم توفر السيولة اللازمة لذلك.

 

قرارات خاطئة

 

كوني أعمل أخطئ ولست معصوما. أول الأخطاء توجهي ودراستي في مصر حيث ذهبت سنتان من حياتي هكذا وثانيها قرار صفقة لو قدر لي أن أعود للوراء لما اتخذته، وهو طلبية في 2007 جاءتني من افريقيا وحصل عليها لغط كونها مشبوهة رغم سلامتها، كذلك تدخلي في حياة ابني يوسف الدراسية.

 

الحلم والرؤية

 

أنا لا أعتقد بالحلم بل أؤمن بالرؤية.. ورؤيتي أن أتقاعد مبكراً وأنا بكامل صحتي والحمد لله لأعيش حياتي مبكراً أو أعيش حياة كريمة وهانئة تتناسب مع ما قدمته.. ولا أعيش على الراتب مجاراة لما أنا فيه الآن.. وليس عندي أي استثناءات حتى أنه أمام بيتي قطعة أرض أردت الحصول عليها طلبت مني البلدية 70 ألف درهم. وليس عندي منحة سكنية أو تجارية ولا اقتصادية.

 

رحلة التكريم

 

كرمت سنة 2006 بجائزة الشيخ محمد بن راشد عن قطاع الأعمال، التكريم وسام من رجل أعتز أن أكون عند حسن ظنه. ولنثبت للعالم أننا مواطنون قادرون على إيصال رسالتنا للعالمية وهاهي الإمارات تغزو العالم اقتصادياً وسياحياً وفكرياً.

 

كذلك نجاحي منسوب للثقة الغالية لشخص لا يألو جهداً عن دفع الأمور إلى نصابها وكذلك رغم شغله الكثير لا يتوانى عن سماع الآخر إنه سمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي ولي عهد رأس الخيمة.

 

كلمة أخيرة

 

النجاح ثمنه صعب، ولكنه يحتاج إلى جهد أحرص على أن تكون جلفار قبلة للمواطنين للعمل لكن أؤمن بالتخصص.. أتمنى أن يكون الصيادلة مواطنين ولكني على ما أستطيع أسير بعملية التوطين هذه بحيث تكون صحيحة أي الرجل المناسب في المكان المناسب.

 

د. بشار عطية: الصدفة جعلته أعز أصدقائي

 

د. بشار عطية من لبنان.. إذا ما تكلمت عن هذا الرجل فإني عاجز عن وصفه خشية ألا أوفيه حقه فهو رجل قل مثيله حيث تعرفت عليه صدفة في أحد المؤتمرات في دبي ورأيت منه الكرم العربي أو الطائي كما يسمى.. خلوق مندفع يحب التجديد، عمله حياته.

 

دائماً تجده حاضراً. التقرب من عبدالرزاق يخلق فيك إحساساً بالصداقة التي أصبحت مستحيلة في زمننا هذا ولكن ليس غريبا عليه أي شيء فهو الدارس والمثقف والمهندس والطبيب ويعرف شيئاً من كل شيء.

 

ياسر الناغي: إنسانيته سبب نجاحه

 

ياسر الناغي من السعودية: صداقتي بالمهندس عبدالرزاق عمرها أكثر من 20 عاماً فهو موسوعة يمتاز بنشاطه العملي وسعة اطلاعه.. خلال فترة عمله في جلفار عمل قفزات محسوبة له في مجال الصناعة الدوائية لينتشر محلياً وإقليمياً وعربياً.

 

أعتز بمعرفتي به وأكبر فيه روحه وطموحاته وكذلك الحس الإنساني الذي يميزه وأظن أنه سبب نجاحه، فنجاحه أعتبره قائماً على سعة أفقه وتعاون من حوله في العمل كونه الأب الروحي لهم.

 

د. غسان الأمين: يصعب اللحاق به

 

الدكتور غسان الأمين نقيب للمحامين مرتين في لبنان ودكتور محاضر في جامعة بيروت.. العلاقة مع عبدالرزاق بداية كانت مهنية، ولكنها تحولت إلى صداقة وأهم مميزاته انه خدوم وبالمعنى الحرفي قريب من الكل ويحمل همومهم، وأهم حادثة تمثل ذلك، وفاة والدي حيث تفاجأت بوصول الأخ عبدالرزاق إلى بيروت لحضور مراسم العزاء.

 

ومن ثم مغادرته إلى بلده الإمارات، يتعامل مع جميع الوكلاء على أنهم أهله وأسرته، وهو لا يلحق به، وأعتبر نفسي قائداً في كل الأمور، ولكن بحضور عبدالرزاق أصبح تابعاً، وهذا لا ينقصني، بل يزيدني معرفة، لأن الذي أمامي إنسانٌ ملمٍ، وثقتنا به عمياء، وذلك نابع من قراراته الصائبة وتفاعله دائماً مع الأحداث الجارية.

 

وما يحسب لعبدالرزاق أنه أوصل جلفار إلى مرحلة العالمية من خلال الإنتاج والجودة للدواء وانتقاله إلى مرحلة الأصناف التكنولوجية مثل الأنسولين، وهو مؤمن بأن الوطن العربي يجب أن يصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من هذه الأنواع من الأدوية المتطورة، لكي لا يقع تحت رحمة المنتجين، وعند وقوع مشكلة أنفلونزا الطيور، كان المصنع الوحيد الذي ينتج هذا الدواء هو «روش» لكن تفاجأنا أن جلفار حصل على المواد الخام وبدأ بتصنيع دواء أنفلونزا الطيور، ووصلت بنا الحال في علاقتنا أن أسرتي أصبح عبدالرزاق بالنسبة لها الأب الثاني ويستشيرونه في كل ما يخصهم.

 
عبدالمنعم الشديدي

 

 

 

Print this article

Print this page

    

Send this page to a friend

Email this article

Back